احتضنت، الثلاثاء 5اوت 2025، حديقة الفنون بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات تظاهرة « نظرات سينمائية »، ليتحوّل الفضاء المفتوح إلى شاشة كبرى تتنفس فيها الصورة، وتنبض بالحكايات، ويُستعاد عبرها سحر السينما في أبهى تجلياته.

هذا الحدث الثقافي، الذي بات تقليدًا يثري المشهد السينمائي التونسي، شكّل فرصة للقاء بين عشاق الفن السابع من مختلف الأعمار، في لحظة تأمل جماعية في واقع الإنسان، وهواجسه، وتحولاته، من خلال عروض لأفلام قصيرة وطويلة، تونسية ، ذات بعد فني وإنساني عميق.

***عروض أفلام ومناقشات مفتوحة

تنوعت برمجة « نظرات سينمائية » لتشمل عروضًا لأفلام مختلفة ، بعضها يُعرض لأول مرة، مما أضفى على التظاهرة طابعًا استكشافيًا مثيرًا. وشهدت العروض حضورا لافتًا، حيث تفاعل الجمهور مع المواضيع المطروحة، التي تراوحت بين قضايا الهوية، والهجرة، والحرية الفردية. 

ولم تقتصر التظاهرة على المشاهدة فحسب، بل تم إثراؤها بجلسات نقاش ولقاءات فكرية مع مخرجين ومنتجين ونقاد سينمائيين، مما أتاح للمشاركين مساحة للتعبير والتحليل، وساهم في تعميق الفهم لعناصر اللغة السينمائية وكيفية توظيفها لخدمة الرسالة الفنية.

***تكريس السينما كفعل ثقافي في الفضاءات العامة

من خلال تنظيم هذه التظاهرة في حديقة الفنون المفتوحة، أعادت « نظرات سينمائية » الاعتبار للفضاء العام كمسرح للثقافة والفن، في محاولة لكسر النمطية وكسب جمهور أوسع للسينما، لا سيما في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة التي غيرت من عادات المشاهدة لدى الأجيال الجديدة.

وقد عبّر العديد من الحاضرين عن إعجابهم بالمبادرة، معتبرين أن السينما حين تخرج من القاعات المغلقة إلى الهواء الطلق، تصبح أكثر حياة، وتنجح في خلق حوار حيّ بين الصورة والمتفرج.

***اشعاع ثقافي وتجديد للرؤية السينمائية

« نظرات سينمائية » ليست مجرد تظاهرة فنية عابرة، بل هي رؤية ثقافية متجددة تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الفن والمجتمع، وبين السينما والجمهور، في وقت تحتاج فيه الثقافة إلى نفس جديد وروح مبتكرة.

ويبدو أن هذا النوع من المبادرات يسير بخطى ثابتة نحو تكريس تقاليد سينمائية بديلة، تُراهن على الجودة، والقرب من الناس، والانخراط في قضايا الواقع من زوايا إنسانية، عميقة وشجاعة. 

***ثلاث رؤى تونسية من صميم الواقع: عرض ونقاش لأفلام قصيرة تكشف المستور

في إطار سلسلة العروض السينمائية التي تستهدف تسليط الضوء على قضايا اجتماعية حساسة، تمّ عرض ثلاثة أفلام قصيرة تونسية حديثة، تميزت بعمقها الإنساني وجرأتها في الطرح. أعمال أخرجتها نساء وشباب من جيل جديد، عكست وجعًا صامتًا وصوتًا صادقًا في وجه العنف، العنصرية، والاعتداءات الجنسية.

« دمي ولحمي ».. وجع لا يُنسى

تمّ افتتاح السهرة بعرض فيلم « دمي ولحمي » للمخرجة إيناس عرصي، الذي تناول موضوع التحرش الجنسي في سياق عائلي حميمي. دنيا، فتاة مراهقة، ترى عالمها يتداعى بعد اعتداء جارها عليها. الفيلم لم يقع في فخ الإثارة أو المبالغة، بل التقط ببراعة مشاعر الصدمة، الإنكار، والارتباك التي تنتاب الضحية، ما جعله عملًا بالغ التأثير والصدق. الجوانب النفسية والوجدانية كانت في صلب السرد، ما جعل المشاهد يتعاطف ويغضب في آن.

« ثنية عيشة ».. كسر دائرة الصمت

الفيلم الثاني كان « ثنية عيشة » للمخرجة سلمة هوبي، الذي رافق رحلة امرأة شابة تعيش في ظل زوج متسلّط وعنيف. رويدًا رويدًا، تدرك عيشة أنها سجينة في علاقة لا تترك لها مجالًا للتنفس أو التعبير عن ذاتها. بأسلوب بصري حميمي وصامت أحيانًا، تنجح المخرجة في نقل التحوّل الداخلي لشخصيتها الرئيسية، وصولًا إلى قرارها المصيري: استعادة حريتها، ولو كلفها ذلك الكثير. الفيلم جاء بمثابة صرخة ضد العنف المسلّط على النساء، ورسالة أمل في القدرة على النهوض.

« ماكون ».. مرآة للعنصرية المغيّبة

اختتم العرض بفيلم « ماكون » للمخرج فارس نعناع، الذي قدّم مقاربة فنية جريئة لموضوع العنصرية في تونس. من خلال شخصية « Ange »، عاملة النظافة ذات البشرة السمراء، تتقاطع حكايات وأصوات أخرى، لتكشف عن ممارسات التمييز والإقصاء التي غالبًا ما يتم إنكارها أو التقليل من خطورتها. بأسلوب قريب من الوثائقي، استعرض الفيلم مواقف يومية تنضح بالعنصرية المبطنة والصريحة، مبرزًا كيف تتحوّل الحياة إلى صراع يومي من أجل الكرامة. « ماكون » لم يكتفِ بالتشخيص، بل طالب بالمواجهة.

نقاشات جريئة

عقب العروض، دار نقاش ثري بين الحضور وصنّاع الأفلام، تطرّق إلى دور السينما في فضح المسكوت عنه، وأهمية تمثيل الواقع دون تزييف. كما تم التأكيد على ضرورة دعم هذه الأعمال الشجاعة، التي تُعبّر عن فئات مهمّشة وتُحرك الوعي العام.

 لم تكن هذه العروض مجرّد تجارب فنية، بل كانت شهادات حيّة تفتح نوافذ على واقع قد يبدو صامتًا، لكنه في الحقيقة يصرخ… والسينما هنا كانت لسانه.