بين تونس والصين، تبدو المسافة الجغرافية طويلة، لكن السنوات أثبتت أن المسافات لا تُقاس بالكيلومترات وحدها. فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين سنة 1964، تطورت العلاقة تدريجيًا لتشمل مجالات متعددة، من الثقافة والتعليم إلى السياحة والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا. غير أن قيمة هذه العلاقة لا تكمن فقط في الاتفاقيات والمؤسسات، بل في قدرتها على الوصول إلى الناس وتحويل المعرفة المتبادلة إلى تجربة إنسانية حقيقية.
فالصداقة بين بلدين لا تُبنى فقط في قاعات الاجتماعات، وإنما تبدأ عندما يكتشف التونسي الصين بعيدًا عن الصور النمطية، ويكتشف الصيني تونس بعيدًا عن الكليشيهات السياحية. هناك، تحديدًا، تبدأ الحكاية.
حين تصبح الثقافة لغة مشتركة
ربما تكون الثقافة أول الأبواب التي يستطيع الناس من خلالها الاقتراب من بعضهم البعض. كتاب مترجم، فيلم، معرض، عرض موسيقي، أو حتى حصة لتعلم اللغة، يمكن أن يفعل أحيانًا ما لا تستطيع عشرات الخطب أن تفعله.
بالنسبة إلى التونسي، تمثل الصين عالمًا غنيًا بالتاريخ والحضارة والتقاليد. وبالنسبة إلى الصيني، تقدم تونس صورة مختلفة عن العالم العربي والمتوسطي، بتاريخ يمتد من قرطاج إلى الحضارة الإسلامية، وبمدن تحمل ذاكرة خاصة مثل القيروان وتونس العتيقة وسوسة ونابل.
وعندما يتعلم شاب تونسي اللغة الصينية، فهو لا يحفظ كلمات جديدة فحسب، بل يفتح نافذة على ثقافة أخرى. وكذلك عندما يتعرف شاب صيني إلى العربية أو إلى اللهجة التونسية، فهو لا يتعلم لغة فقط، بل يقترب من مجتمع كامل ومن طريقة مختلفة في التفكير والتعبير والحياة.
وهنا تكمن قوة التبادل الثقافي: إنه لا يطلب من الشعوب أن تصبح متشابهة، بل يساعدها على فهم اختلافاتها.
الشباب… الجيل الذي سيكتب الصفحة المقبلة
إذا كانت العلاقات بين الدول قد بدأت في الماضي عبر الدبلوماسية، فإن مستقبلها سيُكتب بدرجة كبيرة بأيدي الشباب.
الطالب الذي يسافر إلى الصين للدراسة، والباحث الذي يشارك في مشروع علمي، والشاب الذي يتعلم الصينية، والطالبة التي تكتشف مدينة صينية للمرة الأولى، جميعهم يصبحون بطريقة أو بأخرى جزءًا من هذه العلاقة.
وفي السنوات الأخيرة، توسعت فرص التعاون في مجالات التعليم والتكوين والتبادل الأكاديمي، وهو ما يمنح العلاقات التونسية الصينية بعدًا يتجاوز السياسة والاقتصاد.
فالطالب الذي يعيش تجربة الدراسة في بلد آخر يعود وهو يحمل أكثر من شهادة. يعود بذكريات، وصداقات، وفهم مختلف للعالم. وقد يصبح بعد سنوات حلقة وصل بين مجتمعين كانا يبدوان بعيدين.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الشباب ليس مجرد استثمار في التعليم، بل في المستقبل المشترك للعلاقات بين الشعوب.
من قرطاج إلى المدن الصينية
تملك تونس رصيدًا تاريخيًا وثقافيًا يمكن أن يكون جسرًا مهمًا نحو السوق الصينية. فالسائح الصيني الذي يأتي إلى تونس لا يبحث فقط عن البحر والشمس، بل يمكن أن يجد في قرطاج والقيروان والمدينة العتيقة وفي الصناعات التقليدية والمطبخ التونسي قصصًا تستحق الاكتشاف.
والسياحة، في هذا المعنى، ليست مجرد أرقام حول عدد الوافدين. إنها لقاء مباشر بين الإنسان والإنسان.
حين يجلس زائر صيني في مقهى تونسي، أو يتجول في سوق تقليدية، أو يتذوق الكسكس، أو يلتقط صورة في مدينة تاريخية، تتحول تونس بالنسبة إليه من معلومة على خريطة إلى تجربة شخصية.
والأمر نفسه يحدث عندما يسافر تونسي إلى الصين. فالصين التي يراها في الكتب أو عبر الشاشات تصبح فجأة مدنًا وأصواتًا ووجوهًا وروائح وتفاصيل يومية.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للسياحة: أن تجعل الآخر قريبًا، ليس لأنه يشبهنا، وإنما لأننا اكتشفنا إنسانيته.
التكنولوجيا… عندما يصبح المستقبل مساحة للقاء
لكن الصداقة بين تونس والصين لا تنتمي إلى الماضي فقط. فالمستقبل يفرض مجالات جديدة للتعاون، وفي مقدمتها التكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي.
العالم يتغير بسرعة، والدول التي تريد أن تحجز مكانها في المستقبل تحتاج إلى المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على الابتكار. وهنا يمكن للتعاون الدولي أن يفتح فرصًا جديدة أمام الجامعات والباحثين والمؤسسات والشباب.
بالنسبة إلى تونس، لا يتعلق الأمر فقط باستيراد التكنولوجيا، بل بتطوير القدرات البشرية التي تسمح بفهمها وتوظيفها وإنتاج المعرفة من خلالها.
وبالنسبة إلى الصين، فإن الانفتاح على تجارب مختلفة في المنطقة العربية والإفريقية يمكن أن يخلق مجالات جديدة للتعاون وتبادل الخبرات.
وفي النهاية، التكنولوجيا لا قيمة لها إذا بقيت بعيدة عن الإنسان. أهم ما يمكن أن تفعله هو أن تمنح شابًا فرصة، وباحثًا أداة، ومؤسسة إمكانية للتطور، ومجتمعًا قدرة أكبر على مواجهة تحديات المستقبل.
الاقتصاد… من الاتفاقيات إلى حياة الناس
لا يمكن الحديث عن العلاقات بين الدول من دون التوقف عند الجانب الاقتصادي. لكن الاقتصاد، هو الآخر، لا يجب أن يبقى لغة أرقام فقط.
وراء كل مشروع اقتصادي توجد وظائف، وخدمات، ومؤسسات، وأشخاص. ووراء كل شراكة تجارية فرصة يمكن أن يستفيد منها طرفان إذا توفرت الشفافية والتوازن والرؤية طويلة المدى.
وتونس، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع محيطها العربي والإفريقي والمتوسطي، يمكن أن تكون فضاءً مهمًا للتعاون الاقتصادي مع شركاء دوليين، ومن بينهم الصين.
لكن نجاح أي تعاون اقتصادي لا يقاس فقط بحجم المبادلات، بل أيضًا بمدى انعكاسه على التنمية، ونقل المعرفة، وتكوين الكفاءات، وخلق فرص حقيقية أمام الشباب والمؤسسات.
.
من قرطاج إلى بكين… الحكاية مستمرة
من قرطاج، التي عرفت منذ قرون معنى التواصل مع العالم، إلى بكين، إحدى أقدم العواصم الحضارية وأكثرها تأثيرًا، تمتد اليوم حكاية بين شعبين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات وتجمعهما رغبة مشتركة في التعارف والتعاون.
وقد لا تكون الصداقة بين تونس والصين قصة مكتملة، لأنها ببساطة قصة تُكتب كل يوم: في جامعة، وفي معرض، وفي قاعة سينما، وفي رحلة سياحية، وفي مشروع علمي، وفي حوار بين صحفيين، وفي شاب يتعلم لغة جديدة، وفي عائلة تونسية تستقبل زائرًا صينيًا، أو عائلة صينية تكتشف تونس للمرة الأولى.
