انتظمت، بمدينة الحمامات ندوة نظّمتها وزارة الشؤون الثقافية وجمعت عدداً من الصحفيين والإعلاميين ، وذلك في إطار تقييم المهرجانات الصيفية العمومية التي طبعت المشهد الثقافي خلال موسم 2025، على غرار مهرجان أوذنة، مهرجان الحمامات الدولي ومهرجان قرطاج الدولي.

الندوة كان يفترض أن تكون مساحة للنقاش والتقييم البنّاء، غير أنّها اقتصرت على حضور محدود من الصحفيين، معظمهم من مكتب الإعلام لمهرجان قرطاج إضافة إلى المكتب الإعلامي لمهرجان الحمامات، و بعض الصحفيين الآخرين . هذا التمثيل الضيّق أضعف النقاش وحصره في تجربتين فقط دون أن يشمل بقية المهرجانات الكبرى.

كما أنّ اللقاء لم يرقَ إلى مستوى التقييم الشامل، إذ غلب عليه طابع المجاملات المتبادلة: الصحفيون الحاضرون أشادوا بالمهرجانات التي غطّوها، في حين انصرف مدراء المهرجانات إلى الثناء على نجاحاتهم. وبذلك، تحوّل النقاش إلى حلقة من « التزكية المتبادلة » عوض أن يكون مساحة نقدية تطرح إشكاليات التسيير والبرمجة والتمويل والعلاقة مع الجمهور.

النقد الأبرز تمثّل في أنّ النقاط التي طُرحت ظلّت محصورة في إطار المهرجانات نفسها، دون أي محاولة للخروج إلى نقاش أشمل يتناول السياسات الثقافية، أو الإشكاليات التي تعاني منها هذه التظاهرات، مثل ضعف التوزيع الجغرافي، غياب استراتيجيات للتسويق الثقافي، أو محدودية انفتاح المهرجانات على محيطها الاجتماعي.

و أنّ التقييم الحقيقي يجب أن يأتي من خارج المكاتب الإعلامية التابعة للمهرجانات، وأن يعتمد على أصوات مستقلة محايدة قادرة على تشخيص الواقع بجرأة وموضوعية. أمّا الاكتفاء بجلسة يشكر فيها الصحفيون المهرجانات ويثني فيها المسؤولون على أعمالهم، فلن يساهم سوى في تكريس الانغلاق وإعادة إنتاج نفس الإشكاليات مستقبلاً.

***خطوة إيجابية أم حوار بلا مضمون؟

 وعلى الرغم من أهميتها المعلنة، إلا أن هذه الندوة أثارت العديد من علامات الاستفهام حول جدواها ومردودها الفعلي.

أول ما يلفت الانتباه هو غياب التفاعل الصريح والجاد من المسؤولين تجاه الأسئلة المطروحة من الصحفيين. فقد اقتصرت الإجابات على العموميات والشكر المتبادل، دون تقديم خطط واضحة أو حلول ملموسة للمشاكل الحقيقية التي تواجه القطاع الثقافي، ما جعل اللقاء يبدو أكثر كرنفال إعلامي منه نقاشاً جاداً.

ثانيًا، غياب التحضير المسبق للمواضيع كان واضحاً، حيث أبدى العديد من الصحفيين شعورهم بعدم القدرة على المساهمة الفعالة، نتيجة عدم توافر أجندة محددة للنقاش. كما أن بعض النقاط الحساسة، مثل التمويل والاختلالات التنظيمية في المهرجانات، تم تجنبها كلياً.

 الندوة كانت خطوة على الورق للتواصل مع الإعلام، لكنها فشلت في تقديم محتوى ملموس أو رؤية استراتيجية. إن كانت وزارة الشؤون الثقافية تسعى فعليًا لتعزيز الشفافية والتفاعل مع الإعلام، عليها أن تتجاوز مجرد اللقاءات الرمزية، وأن توفر حوارات صريحة ومحددة الأهداف، مع استجابة واضحة للمطالب الحقيقية للصحفيين 

*** أرقام مقدمة 

قدمت هند المقراني، المديرة العامة للمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية خلال هذا اللقاء إيضاحات حول المهرجانات الصيفية، وأبرزها مهرجان قرطاج الدولي حيث أعلنت أن الدورة 59 للمهرجان شهدت حضور حوالي 88 ألف متفرج. 

وأكدت أن العائدات المالية كانت جيدة وتم تغطية تكاليف العروض بفضل ترشيد النفقات والمفاوضات الدقيقة مع الفنانين. كما وعدت بنشر التقريرين الأدبي والمالي لجميع المهرجانات على موقع الوزارة والمؤسسة لضمان الشفافية

و اضافت أن الدعم السنوي للمهرجانات يبلغ حوالي 6 ملايين دينار، وشمل حتي أوت 2025 دعم 59 مهرجانًا صيفيًا و25 مهرجانًا خاصًا.

كما اكد نجيب الكسراوي، مدير الدورة 59 للمهرجان الدولي للحمامات، أن الدورة الأخيرة قد شهدت تنظيم 36 عرضًا موزعة على 33 سهرة فنية، مع تحقيق توازن كبير بين المشاركة التونسية والأجنبية، حيث بلغت نسبة المشاركة التونسية 50% مقابل 50% للعروض الأجنبية.

وأوضح الكسراوي أن العدد الجملي للمشاركين من الفنانين والعازفين و الموسيقين بلغ 606 مشاركًا في العروض التونسية، منهم 266 من المسرح صعدوا على ركح الحمامات ، فيما تضمنت العروض الأجنبية 189 فنانًا وعازفًا وموسيقيًا، ليصل العدد الجملي للمشاركين في الدورة إلى 795 مشاركًا.

ووفق تصريحات نجيب الكسراوي، فقد شهد مهرجان الحمامات هذا العام تقديم 13 عرضاً بشبابيك مغلقة ، منها 7 عروض تونسية و6 عروض أجنبية. 

وأشار مدير المهرجان إلى أن حضور الشباب كان بارزًا ومشجعًا، مما يعكس بوضوح أن الشباب يمثلون القاعدة الجماهيرية الأساسية للمهرجان.اما رمزي القرواشي المدير العام للمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة ، فقد أكد على أهمية تعزيز الوعي بحقوق الملكية الفكرية في تونس. وأشار إلى ضرورة إدراج هذه الحقوق في المناهج التعليمية منذ المراحل الأولى، بهدف ترسيخ ثقافة احترام حقوق المؤلفين والفنانين. كما شدد على أن هذه التوعية تعتبر واجبًا وطنيًا، وأنها تساهم في حماية المبدعين وضمان حقوقهم المادية والمعنوية. 

كما أشار إلى أن المؤسسة شهدت زيادة ملحوظة في عدد التراخيص الممنوحة خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت النسبة من 150% إلى 250% بين عامي 2022 و2024. وتابع أن استخلاصات المؤسسة تضاعفت خمس مرات خلال نفس الفترة، مما يعكس تحسنًا في احترام حقوق المؤلفين والفنانين. 

وفيما يتعلق بالتجاوزات القانونية، أكد رمزي القرواشي أن المؤسسة قامت برفع أكثر من 100 محضر معاينة، تم إحالتها على أنظار القضاء، وذلك لمكافحة الاعتداءات على حقوق الملكية الأدبية والفنية. وأشار إلى أن هذه الإجراءات تأتي في إطار تعزيز الشفافية والعدالة في حماية حقوق المبدعين.

إنّ وزارة الشؤون الثقافية، وهي الطرف المنظم، مطالبة بتحويل مثل هذه اللقاءات إلى فضاءات للنقد الجادّ، وإلى منصات تفكير جماعي تضع اليد على النقائص وتبتكر حلولاً واقعية، لا إلى مجرد لقاءات بروتوكولية تتبادل فيها الأطراف عبارات الثناء دون أثر فعلي على مستقبل المهرجانات الوطنية.