في ليلة صيفية استثنائية امتزج فيها سحر التاريخ بروعة الموسيقى، عاش جمهور مهرجان دڨة الدولي في دورته الخمسين، مساء السبت 18 جويلية 2026، واحدة من أجمل سهرات هذه الدورة، مع النجم المصري حكيم الذي أعاد إلى ركح المسرح الروماني بدڨة وهج الأغنية الشعبية المصرية، وحمل الجمهور في رحلة مليئة بالذكريات والفرح والحنين إلى تسعينات القرن الماضي.

ومنذ اللحظات الأولى لصعوده إلى الركح، دوّت مدارج المسرح الروماني بالتصفيق والهتافات، وسط حضور جماهيري غفير ضم مختلف الفئات العمرية. ولم يكن الحفل مجرد عرض غنائي، بل تحول إلى احتفال جماعي امتزجت فيه الموسيقى بالرقص والغناء، حيث تفاعل الجمهور بشكل لافت مع كل أغنية، في مشهد عكس حجم المحبة التي يحظى بها حكيم لدى التونسيين، رغم سنوات الغياب.

وقدّم الفنان المصري باقة من أشهر أغانيه التي صنعت نجوميته منذ بداية التسعينات، وهي الأغاني التي ما تزال حاضرة بقوة في ذاكرة الجمهور العربي، لتثبت أن الأعمال الفنية الصادقة قادرة على تجاوز الزمن والبقاء في وجدان الأجيال. والأكثر لفتًا للانتباه أن جميع الأجيال، من الشباب إلى الكهول، كانوا يرددون كلمات أغانيه عن ظهر قلب، وكأن الزمن عاد إلى الوراء ليحيي مرحلة كانت فيها أغنيات حكيم تتصدر الساحة الفنية وتحقق انتشارًا واسعًا قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي.

وشهدت السهرة حالة من الانسجام الفني الكبير بين حكيم والجمهور، حيث لم يتوقف الرقص والتصفيق والتفاعل طوال الحفل، بينما نجح الفنان بخبرته وحضوره الركحي في إشعال أجواء المسرح الروماني وتحويله إلى فضاء نابض بالحياة والفرح.

ولم تقتصر السهرة على الجانب الفني والترفيهي، بل حملت أيضًا رسالة إنسانية مؤثرة. فمن خلال إحدى أغانيه، وجّه حكيم نداءً إلى الشعوب يدعو فيه إلى نبذ الحروب والعنف، والعمل من أجل نشر ثقافة السلم والسلام حفاظًا على الأرواح البشرية. وخصّ بالدعوة الدول الإسلامية التي تعيش أو عاشت ويلات النزاعات، من بينها أفغانستان ولبنان وإيران والعراق وسوريا، مؤكدًا أن الفن يظل رسالة محبة وتآخٍ بين الشعوب، وأن الموسيقى قادرة على توحيد القلوب مهما اختلفت الظروف.

وخلال تواصله المباشر مع الجمهور، تحدث حكيم بعفوية ومحبة كبيرة عن علاقته الخاصة بتونس، معبرًا عن امتنانه لهذا البلد الذي قال إنه كان له دور أساسي في انطلاقته الفنية. وأكد أن تونس كانت أول دولة يسافر إليها خارج مصر، وأن أول تأشيرة وُضعت على جواز سفره كانت لتونس، كما أن أول رحلة طيران في حياته كانت في اتجاهها، وهو ما جعلها تحتل مكانة خاصة في قلبه.

وأضاف أن الجمهور التونسي احتضنه منذ بداياته، وأنه أحيا حفلات في مختلف ولايات الجمهورية، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وهو ما جعله يشعر دائمًا بأنه بين أهله ومحبيه كلما زار تونس.

وفي تصريح لوسائل الإعلام على هامش الحفل، كشف حكيم أنه تلقى دعوة لإحياء حفل على ركح مهرجان قرطاج الدولي، بعد غياب دام أربعة عشر عامًا عن هذا المسرح العريق، معربًا عن سعادته الكبيرة بالعودة للقاء جمهوره التونسي، ومؤكدًا أن هذه العودة تمثل بالنسبة إليه محطة فنية وإنسانية مميزة.

وأكدت سهرة حكيم أن مهرجان دڨة الدولي، في دورته الخمسين، يواصل تكريس مكانته كواحد من أبرز المهرجانات الثقافية والفنية في تونس، من خلال استضافة أسماء عربية لامعة قادرة على استقطاب جمهور واسع وصنع لحظات استثنائية داخل أحد أجمل المسارح الأثرية في العالم.

واختتم الفنان المصري سهرته وسط تصفيق حار وهتافات متواصلة، بينما غادر الجمهور المسرح الروماني محمّلًا بذكريات ليلة جمعت بين الفن الأصيل والحنين إلى الزمن الجميل ورسالة إنسانية نبيلة، لتظل سهرة حكيم واحدة من أبرز محطات الدورة الخمسين لمهرجان دڨة الدولي.

دڨة – ستار براس : ناجية المالكي