
شهد مسرح قرمبالية ليلة البارحة عرضاً مسرحياً مميّزاً حمل عنوان « اللاهم »، من إخراج زهير الرايس وبطولة الثنائي ريم الزيبي وكوثر الباردي. وقد جاء العمل ليطرح بجرأة قضية المرأة والزواج، في رؤية فنية جمعت بين الواقعية الحادة والرمزية العميقة. نص يلامس الوجدان منذ المشهد الأول، شدّ النص انتباه الحضور بقدرته على النفاذ إلى عمق القضايا الاجتماعية دون مباشرة أو وعظ. فقد تناول العمل الزواج باعتباره مؤسسة اجتماعية تخضع أحياناً لسلطة الأعراف والقيود أكثر من كونها اختياراً حراً يقوم على الحب والتكامل. وقد تخلل الحوار مساحات للتأمل والضحك المرّ، ما جعل الجمهور يتنقل بين مشاعر متناقضة تحاكي الواقع. أداء لافت للممثلتين أبهرت ريم الزيبي وكوثر الباردي الحاضرين بأداء قوي ومتماسك، جسّدتا من خلاله معاناة المرأة في صراعها بين ما تفرضه العائلة والمجتمع وما تطمح إليه كإنسانة حرة. التناقض بين الشخصيتين على الركح خلق ديناميكية مشوقة، عكست بمهارة تنوع التجارب النسائية وثراءها. رؤية إخراجية متجددة اعتمد المخرج زهير الرايس على بساطة الركح واللعب على تفاصيل الإضاءة والإيقاع الصوتي، ليجعل من كل حركة وكل سكون جزءاً من الحكاية. هذه الخيارات الفنية منحت النص عمقاً إضافياً، وسمحت للجمهور بالتركيز على المضمون الفكري والإنساني للعمل. صدى جماهيري واسع لاقى العرض تفاعلاً كبيراً، إذ قوبل بتصفيق حار عقب إسدال الستار. وقد عبّر عدد من الحاضرين عن إعجابهم بجرأة الطرح وبالأداء المتقن للممثلتين، معتبرين أنّ المسرحية أعادت إلى الأذهان الدور الحقيقي للمسرح كفضاء للنقاش الحر ولطرح الأسئلة الكبرى. تصريحات من قلب العرض في كلمتها بعد العرض، أكدت كوثر الباردي أنّ المسرحية « دعوة إلى التفكير في معنى الزواج خارج إطار الضغوط الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للمرأة كطرف أساسي في صياغة مصيره ». أما ريم الزيبي فقد شددت على أنّ « اللاهم » ليست سوى خطوة أولى في مشروع مسرحي أوسع يسعى إلى مقاربة قضايا المرأة التونسية والعربية بروح نقدية وفنية. مسرح حيّ وأسئلة مفتوحة بهذا العرض، أثبتت مسرحية « اللاهم » أنّ المسرح التونسي لا يزال قادراً على إحداث الدهشة وفتح النقاش حول قضايا تمسّ المجتمع في عمقه. فهو لم يقدّم حلولاً جاهزة، بل طرح أسئلة وجودية عن الحب والزواج والحرية، تاركاً للجمهور مهمة البحث عن إجاباتها.